in , , ,

الاستدامة في العمارة

لم يعد خافيا على أحد التدهور البيئي الكبير الذي يعاني منه كوكبنا والذي يتزايد عاما بعد عام، ومازال الانسان يتعامل مع الطبيعة ومع كوكب الأرض وكأنه الحاكم المطلق والأوحد وأنه الكائن الوحيد الذي يستحق الحياة على هذه الأرض يستنزف موارد الطبيعة بكافة الطرق ومسببا أذى كبير للبيئة ولكن إذا استمر سلوك الانسان بهذا الشكل فربما خلال العقود القادمة لن يبقى هناك عالما ليحكمه أو لن يبقى هناك إنسان ليحكم هذا العالم.

لذلك ضهر مصطلح الاستدامة والذي لا يقتصر فقط على البيئة بل يتعداها لمختلف جوانب الحياة والذي صنفتها المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى 17 بند من ظمنها بنود متعلقة بالبيئة.

فالعمل على الاستدامة ليس واجبا أخلاقيا تجاه المجتمع والبيئة فقط بل أصبح ضرورة إذا ما أردنا النجاة. سنتعرف علي الاستدامة في العمارة بشكل موسع ضمن سلسلة من المقالات.

الاستدامة في العمارة:

تشير الاستدامة في العمارة إلى خلق بيئات معيشية تعمل على تقليل الاستحدام البشري للموارد وتقليل الانبعاثات والمخرجات من المباني. ينعكس هذا في المواد المستخدمة في البناء وطريقة تشييد المباني وفي تشغيله واستخدامه للموارد مثل التدفئة والتبريد واستخدام الطاقة والمياه ومعالجة مياه الصرف الصحي.

مفهوم التشغيل هو أن المباني المصممة على الاستدامة تحافظ على مستخدميها من خلال توفير بيئات صحية وتحسين نوعية الحياة ، وتجنب إنتاج النفايات ، للحفاظ على البيئة على المدى الطويل

يقول Hunter and Amory Lovins من معهد Rocky Mountain إن الغرض من الهندسة المعمارية المستدامة هو تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم الخاصة ومع ذلك مصطلح الاستدامة مصطلح واسع ويستخدم لوصف مجموعة واسعة من جوانب تصميم المبنى واستخدامه. فبالنسبة للبعض ينطبق ذلك على تصميم المباني التي تنتج قسم كبير من الطاقة التي تستهلكها وتخفيف مخرجاتها بينما يدعو البعض إلى إدراك الأهمية الروحية لتصميم المبنى وبنائه وموقعه وتناغمه مع البيئة المحيطة به . واّخرون يرون أن المباني يجب أن تعزز الرفاهية الروحية والجسدية لمستخدميها.

تؤكد إحدى مدارس الفكر أن الهندسة المستدامة بأعلى أشكالها تخلق نظامًا بيئيًا مستقرًا حيث وفقا للمهندس البيئي المشهور David Del Porto فإن المبنى المصمم للاستدامة هو نظام متكامل و متوازن حيث لا توجد نفايات ، لأن مخرجات عملية واحدة تصبح مدخلات لعملية أخرى بحيث تكون الطاقة والمادة مترابطة من خلال المسارات الدورية ، والتي بحكم كفاءتها وترابطها تتحقق الأمن البيئي والاقتصادي ونوعية حياة عالية ونفايات أقل.

أصبحت الاستدامة من حيث صلتها بالموارد ، مصطلحًا مستخدمًا على نطاق واسع مع كتاب Lester Brown ، بناء مجتمع مستدام ، ومع نشر الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة “استراتيجية الحفاظ على الطبيعة” في عام 1980،ثم جاءت الاستدامة لوصف الحالة التي يتم من خلالها استخدام الموارد المتجددة الطبيعية بطريقة لا تقضي عليها أو تقلل منها أو تقلل من فائدتها المتجددة للأجيال القادمة ، مع الحفاظ على مخزونات ثابتة و غير متراجعة من الموارد الطبيعية مثل التربة والمياه الجوفية والكتلة الحيوية.

قبل “العمارة المستدامة” ، تم استخدام مصطلح “العمارة الشمسية” للتعبير عن النهج المعماري للحد من استهلاك الموارد الطبيعية والوقود من خلال الحصول على الطاقة الشمسية. تطور هذا إلى المفهوم الحالي والأوسع للهندسة المستدامة ، والذي يوسع نطاق القضايا المعنية لتشمل استخدام المياه والتحكم في المناخ وإنتاج الغذاء وتنقية الهواء واستعادة النفايات الصلبة ومعالجة مياه الصرف الصحي وكفاءة الطاقة الإجمالية. كما يشمل مواد البناء مع التركيز على استخدام المواد المحلية والموارد المتجددة والمواد المعاد تدويرها والراحة العقلية والبدنية لسكان المبنى. بالإضافة إلى ذلك ، تأكد العمارة المستدامة على أهمية تحديد الموقع وتصميم المبنى للتوافق مع محيطه.

تحدد الأمم المتحدة المبادئ الخمسة التالية للهندسة المستدامة:

  1. بيئة داخلية صحية: يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان عدم انبعاث المواد السامة والغازات في الجو الداخلي حيث يجب اتخاذ تدابير إضافية لتنظيف وتنشيط الهواء الداخلي .
  2. كفاءة استخدام الموارد: حيث يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة للتأكد من أن استهلاك المبنى للطاقة والموارد الأخرى هو ضمن الحد الأدنى واستخدام أنظمة التبريد والتدفئة والإضاءة والمنتجات التي تقلل استخدام الطاقة التقليدية أو حتى تستغني عنه .بالإضافة لتقليل استخدام المياه وإنتاج مياه الصرف الصحي.
  3. مواد صديقة للبيئة: يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لاستخدام مواد البناء والمنتجات التي تقلل من تدمير البيئة العالمية. يجب أخذ بعين الاعتبار المواد والمنتجات الأخرى بناءً على التأثير الذي تسببه للبيئة أثناء عملية تصنيعها وإنتاجها حيث يجب مراعاة التكاليف البيئية والمجتمعية طويلة الأمد لإنتاج مواد المبنى وعملية تركيبها بما يتماشى مع أهداف الاستدامة.
  4. الشكل البيئي:يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحقيق التناغم في الشكل وخطة التصميم بالموقع والمنطقة والمناخ ويجب اتخاذ الإجراءات اللازمة “لشفاء” وتعزيز بيئة الموقع بعد القيام بأعمال البناء.
  5. التصميم الجيد. يجب اتخاذ جميع التدابير الممكنة لتحقيق علاقة فعالة وطويلة الأمد لاستخدام المنطقة المقام فيها اللبناء والدورة الحيوية وشكل البناء والأنظمة الميكانيكية وتكنولوجيا البناءكما يجب الاهتمام بالبحث عن العلاقات الرمزية والتاريخية للموقع والمبادئ الروحية والتعبير عنها.

العمارة المستدامة كحركة:

يرى البعض أن الاستدامة ، من حيث صلتها بالعمارة ، تشير إلى أنهاوموقف أو وجهة نظر. فالاستدامة هي “عملية استهلاك مسؤول حيث يتم تقليل النفايات إلى الحد الأدنى ، وتتفاعل المباني بطرق متوازنة مع البيئات والدورات الطبيعية ، وتحقيق التوازن بين الرغبات والأنشطة البشرية في إطار سلامة الطبيعة وقدرتها الاستيعابية ، وتحقيق استقرار طويل الأمد في حدود بيئتهم المحلية والعالمية “. حسب (Rocky Mountain Institute.)

ومع ذلك ، فإن العمارة المستدامة لا تعني بالضرورة انخفاضًا في مستوى الراحة حيث تمثل الاستدامة الانتقال من فترة تدهور البيئة الطبيعية (كما تمثلها الثورة الصناعية وأنماط النمو المرتبطة بها غير مدروسة) إلى بيئة أكثر إنسانية وطبيعية. حيث يناقش مؤيدو العمارة المستدامة أحيانًا التطبيقات الأوسع للمصطلح. يقول البعض أن المباني المستدامة يجب أن تولد المزيد من الطاقة بمرور الوقت كافية لبناء وتصنيع موادها وتشغيلها وصيانتها. ويشار إلى هذا أيضًا باسم “العمارة التجديدية” ، التي يلخصها John Tillman Lyle في كتابه ، التصميم التجديدي للتنمية المستدامة ، على أنه “العيش على الفائدة الناتجة عن الموارد الطبيعية بدلاً من رأس المال”. يرى البعض الآخر ببساطة أنه نهج لجعل المباني أقل استهلاكًا للموارد الطبيعية.

الجوانب الروحية للهندسة المستدامة:

وجهة النظر الروحية هي أن العمارة المستدامة هي رعاية واعتراف بالبيئة البشرية والاحتفال بها كجزء لا يتجزأ من الكون الأكبر ودور البشر كقائمين على رعاية الأرض. بهذه الطريقة تعتبر الموارد “مقدسة”. ومن منظور آخر هو أن إنشاء مبنى على شكل نظام حي هو أمر ديني إلى حد ما ، حيث أن الكيان الإلهي يخلق نظامًا حيًا.

على الرغم من أن المصطلح يوصل معاني مختلفة قليلاً لجماهير مختلفة ، فإنه مع ذلك يعمل على تركيز وزيادة الوعي لخلق اهتمام أكبر بالبيئة المبنية وقابليتها للبقاء على المدى الطويل. تهدف المباني المصممة على لاستدامة إلى تحسين جودة ومستويات المعيشة. تعترف العمارة المستدامة بالناس كمسؤولين مؤقتين عن بيئاتهم ، وتعمل من أجل احترام الأنظمة الطبيعية ونوعية حياة أعلى.

المراحع:

Barnett, D., and W. Browning. A Primer on Sustainable Building. Colorado: Rocky Mountain Institute, 1995.

Dimensions of Sustainable Development. Washington, DC: World Resources Institute, 1990.

Lyle, J. Regenerative Design for Sustainable Development. New York: John Wiley & Sons, Inc., 1994.

Nebel, B. J. Environmental Science: The Way the World Works. 3rd ed. New York: Prentice Hall, 1990.

Orr, D. W. Ecological Literacy. New York: State University of New York Press, 1992.

World Resources 1992–93: A Guide to the Global Environment. New York: Oxford University Press, 1992.