in ,

السياسة النقدية والأزمة المالية العالمية 2008

السياسة النقدية والأزمة المالية العالمية 2008

تعد السياسة النقدية من أهم الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها الحكومة لمعالجة الجوانب السلبية التي تحصل في الاقتصاد، فهي (بارومتر) مقياس للتعرف على حالة الاقتصاد، وتستطيع الحكومة التصرف بمفردات السياسة النقدية لمعالجة بعض الجوانب السلبية، وأحيانا كمجموعة متكاملة لنقل الاقتصاد من حالة إلى أخرى.

يمكن استخدام سعر الفائدة وعرض النقد لنقل الاقتصاد من حالة الركود إلى حالة الرواج، يمكن استخدامهما أيضاً للتخفيف من آثار الأزمة أو حتى كعلاج للتخلص من آثارها الضارة سيما وأنها ليست الأزمة الأولى في الاقتصاد ولن تكون الأخيرة، فالعلوم الاجتماعية هي علوم سلوكية تراقب حركة الأفراد والجماعات واستناداً إليها يتم تقديم الحلول التي قد تتناسب مع هذه الحالة أو تلك.

إن الأزمة المالية التي يمر بها العالم منذ أيلول 2008م وحتى الوقت الحاضر ما هي إلا أزمة قوية أثرت وتؤثر في مراكز المال العالمية الكبرى نيويورك ولندن وطوكيو وأدت لانخفاض حجم الطلب على الأسهم والسندات وإلى خسارات كبيرة تجاوزت التريلونات من الدولارات حيث يعاني الاقتصاد العالمي من الجمود والركود بل وربما ينحدر إلى الكساد إذا لم تتسارع الحلول المالية والنقدية، وخاصة بخصوص أوضاع البورصات والمضاربة والسيطرة على حركة رأس المال الطيار وإيقاف المضاربة المسعورة والعودة إلى طبيعة البورصة وحركتها التي ظهرت في البدايات، كما ويجب إيقاف المشتقات والهندسة المالية التي جذبت المستثمرين من حقول الإنتاج والتجارة إلى هذا العمل المربح ذو الأرباح الخيالية مقارنة مع العمل الصناعي أو التجاري التقليدي.

أساس الأزمة المالية العالمية 2008

لقد تعلم السياسيون الأمريكان وغيرهم من الأوروبيين بأن المضاربة المسعورة في البورصة سوف تؤدي للأزمة، ولذلك لن يشجعوا المصارف على القروض بهدف المضاربة، إضافة إلى أنهم سوف يراقبون عمل البورصة بشكل مستمر.

إن احتلال أفغانستان والعراق من قبل الولايات المتحدة عام 2002م وعام 2003م قد زاد سيطرة الشركات الأمريكية على النفط العالمي وزاد أرباحها نتيجة ارتفاع الأسعار وتم توظيف هذه المبالغ في المصارف الأمريكية التي أصبحت الودائع لديها تفوق طاقة الاقتصاد الأمريكي فقد كانت القروض المصرفية للناتج لا تتجاوز 65% في أفضل الأحوال لكنها بعد عام 2003م ازدادت الودائع وسمحت الحكومة للمصارف التسليف بأسماء مختلفة (قروض سكنية ـ قروض استهلاكية ـ قروض المضاربة ..) فقد وصل حجم القروض المصرفية عام 2007م إلى 14151,8 مليار دولار وهي تشكل 102% من حجم الناتج البالغ 13807,5 مليار دولار، لقد كان القسم الأكبر من هذه القروض يصب في إطار البورصة الأمر الذي زاد من حجم السيولة فيها وأدى لارتفاع الأسعار في البورصة بحدود 259% أي كانت قيمة الأسهم بحدود 2487,8 مليار دولار حيث ارتفعت إلى 6464,9 مليار دولار وهذه الزيادة غير اقتصادية.

إن هذا التوسع المالي والنقدي سواء في حجم القروض والإنفاق الحكومي قد زاد حجم السيولة وأدى لزيادة الأسعار لمعدلات غير طبيعية ومن ثم لا بد من أن يعاد التصحيح ثانية وذلك من خلال الأزمة، إضافة إلى ذلك فإن الناتج الحقيقي الأمريكي تراجع بشكل واضح حيث يصل حجم الزراعة والصناعة من الناتج البالغ 13807,5 حوالي 21,5% عام 2007م والباقي هو خدمات وبشكل خاص خدمات مالية، فالزيادة في المجال المالي لم يرافقها زيادة في الإنتاج الحقيقي الأمر الذي ساهم وسرع في إحداث الأزمة.

تعريف أزمة عام 2008

يمكن تعريف أزمة عام 2008 بما يلي: انهيار حاد في أسعار الأصول المالية في الولايات المتحدة الأمريكية أدى لإفلاس العديد من المصارف والمؤسسات المالية وانخفاض أسعار العقارات وتراجع حجم الإنتاج وزيادة معدلات البطالة.

إن هذا التعريف يوضح بشكل مختصر خصوصية الأزمة الأمريكية التي أطلق البعض عليها أزمة الرهن العقاري.

خصائص الأزمة المالية في 2008

يمكن تحديد خصائص هذه الأزمة كما يلي:

1 ـ انهيار حاد في أسعار الأصول المالية:

لقد تجاوز الانهيار معدل 10% ووصل إلى 37 ـ 45% في أكثرية الدول وهذا يعني أنها أزمة قوية قد اقتربت من أزمة الكساد الكبير الذي حصل عام 1929م في حين بلغ الانهيار في أزمات أخرى بين 20 ـ 25% لذلك صنفها الاقتصاديون بأنها أزمة قوية أو حادة.

2 ـ ظهرت هذه الأزمة نتيجة التوسع الكبير في حجم القروض:

الأمر الذي زاد حجم السيولة وأدى لارتفاع الأسعار إلى أكثر من مستواها الطبيعي حيث وصلت ارتفاعات الأسعار إلى 259% في بورصة نيويورك.

3 ـ إفلاس العديد من المصارف:

وخاصة إفلاس بنك ليمان برز في بداية الأزمة في 16 أيلول 2008م وتبعه إفلاس مصارف أخرى وشركات تأمين الأمر الذي دفع الحكومة الأمريكية لدعم أكبر شركة تأمين في العالم (AEG) من خلال شراء 9,79% من أسهمها بمبلغ 85 مليار دولار(). لقد تجاوز عدد الإفلاسات 180 مصرفاً في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وإفلاس صناديق الاستثمار والمضاربة وغيرها.

4 ـ تراجع أسعار العقارات بمعدلات وصلت إلى 1200% :

ويعود ذلك للقروض الكبيرة التي تم منحها للمضاربين العقاريين وقيام المصارف بتوريق هذه القروض ومن ثم توقف المقترضين عن التسديد.

5 ـ تراجع حجم الإنتاج الحقيقي بحدود 30% :

الأمر الذي أدى لزيادة معدلات البطالة في صفوف العمال، فقد وصلت معدلات البطالة إلى 10% في الولايات المتحدة الأمريكية و 12% في أوربا وفي بعض الدول المتقدمة تجاوز 15%، أما الدول النامية فقد وصلت معدلات البطالة فيها إلى 25%.

إن هذه الأزمة الحادة التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية وتلتها أوربا ودول شرق آسيا ما زالت تتولى آثارها السلبية حيث أنه  تعرضت اليونان لأزمة الديون في حزيران 2010م وتبعتها دول أوربية مثل إسبانيا والبرتغال والتشيك وغيرها.