in

طبيعة الحقوق الأدبية

تعددت الآراء وتنوعت المذاهب في تحديد الطبيعة القانونية لحقوق المؤلف هل هي حقوق شخصية؟ أم هي حقوق ملكية؟ أو هي مزيج من الحقوق الشخصية وحقوق الملكية؟

وذهب بعضهم إلى جعل هذه الحقوق حقوقاً مالية فقط لذا ظهرت عدة نظريات في هذا المجال سنذكر أهمها.

نظرية حقوق الشخصية

أول من سلط الضوء على الجانب الشخصي الفقيه الفرنسي (برتو) الذي دافع عنه وهاجم حق الملكية لخلوه من الحيازة والمحل كشرطين أساسيين غير موجودين في حقوق المؤلف وأضاف أنه لا يمكن للدائنين الحلول محل المؤلف في ممارسة هذا الحق لأنه لا يقبل الانفصال عن شخصية المبدع واعتمد برتو في نظريته على أن المؤلف ليس مالاً وإنما أفكاراً وهي جزء من الشخصية التي تصورها وتستند منها شهادة أصلها وعليه تنشأ رابطة بنوة بينهما ولذلك يجب أن تكون لهذه الأفكار حرمة وصيانة كالتي للشخص نفسه.

ويذهب برتو إلى حدّ أن تشويه المصنف للمؤلف أو الفنان ليس اعتداء على حالهما وإنما هو اعتداء يمسّ الشرف والاعتبار وبذلك يمكنهما في حال مساس مصنفهما أن يقيما دعوى شبيهة بالدعوى التي تحمي الشرف والاعتبار وأيّد برتو في نظريته بيرار الذي أرجع حقوق المؤلف والفنان إلى فكرتي الحرية والمسؤولية وركّز على أن المؤلف مسؤول عن مصنفه وبالتالي فهو القاضي الوحيد الذي يقرر مدى صلاحيته للنشر والذي يحدد ذلك النشر وطريقته وخلص بيرار إلى القول إنه من الضروري أن يعاقب القانون على المساس بحقوق المؤلف كما يعاقب على القذف والهجاء فالشرف والفكر هما من طبيعة واحدة تماماً.

ولقد قسم (بالماد) حياة المصنف إلى مراحل ففي المرحلة الأولى يكون على شكل أفكار في ذهن المؤلف ويكون الأخير حراً في أن يحتفظ بها سراً أو يخرجها في صورة مخطوط.

وهذا يعتبر في الحقيقة بالنسبة له سلطة وهي من النوع الشخصي تماماً ولا يستطيع أحد أن ينكرها فإذا قرر المؤلف أن يظهر مصنفه وأن يبرزه في مخطوط فإننا نصل إلى المرحلة الثانية حيث يكون المصنف قد ترجم إلى العالم الخارجي وإن كان مازال مجهولاً من العامة وفي هذه الحالة يكون للمؤلف الخيار أيضاً في أن يسلم المخطوط إلى الأفراد أو لا يسلمه وهو هنا يمارس سلطة ما وعندما يقرر المؤلف نشر مصنفه فإنّه يوجد في حالة الاتصال مع العالم الخارجي ونكون بذلك قد دخلنا مرحلة جديدة.

وإذا قرر المؤلف قبول حوالات جديدة فإنه يكون أمام اختيارين إما أن تكون كل الطبعات متشابهة مع الطبعة الأولى وإما أن تكون متضمنة لبعض التعديلات وهنا تظهر سلطة التعديل كما أيد كولان النظرية الشخصية ودافع بشدة عن ضرورة المزج بين الحق الأدبي والحق المالي وجرى نفس المجرى الأستاذ ناست بمناسبة حكم صدر من محكمة السين.

نظرية الملكية

تقوم هذه النظرية على القول بأن حق المؤلف والفنان هو حق ملكية وله نفس خصائصها من حيث إمكان التصرف دون منازعة والاحتجاج له على الكافة وكان إسباغ حق الملكية على حق المؤلف هو لإضفاء صبغة القدسية والاحترام على هذا الحق انطلاقاً من أنّ الملكية هي الأكثر شرعية والتعميم في أنه حق ملكية نابع من أن المؤلف عندما قام بتسليم مصنفه إلى العامة فإنه قد أشرك المجتمع في ملكيته وهو بذلك قد قام بإنماء الثروة الفكرية للمجتمع.

أما بالنسبة لدوام حق الملكية بينما حق المؤلف حق مؤقت فذهب بوبيه إلى أن الدوام يمثل عقبة مباشرة في ممارسة حق المؤلف. وإذا كان الدوام يعتبر حقاً دائماً أيضاً لأن أي مالك لحق الملكية لا يستطيع إلغاءه وإن كان في إمكانه أن يشكله والأمر يختلف بالنسبة لمؤلف الكتاب الذي يستطيع سحبه من التداول أو إلغاؤه أو إصداره في طبعة جديدة فكان من البديهي أن يجعل المشرع هذا الحق مؤقتاً حتى تستفيد الجماعة كلها من المصنف بعد انتهاء المدة التي حددها القانون.

وخلاصة القول: إن نظرية الملكية أرادت أن تطبق على حق من طبيعة خاصة قواعد كالقواعد المتعلقة بالحق العيني، وهو أمر قد يؤدي إلى تشويه حق المؤلف وتعطيله في أداء المهمة لأن هناك فرقاً واضحاً بين حق المؤلف الذي يتمتع بخصائص بسبب المحل الذي يرد عليه.

النظرية المختلطة

تقوم هذه النظرية على مبدأ أنّ حق المؤلف هو حقان وليس حقاً واحداً حق أدبي والآخر حق مالي ويعود الفضل في إخراج هذا المبدأ وجعله موجوداً إلى محكمة النقض الفرنسية حيث نادت هذه المحكمة لأول مرة بازدواج حق المؤلف فالعنصر الأول برأي المحكمة هو الحق المانع من الاستغلال الذي يخول بواسطته القانون للمؤلف وبعد وفاته لأسرته ، وهو ما لا يدخل في التعامل ويخضع عندما لا يوجد نص عكسي لقواعد القانون المدني بشرط أن تكون متفقة مع الطبيعة الخاصة لهذا الحق.

ثم وضحت المحكمة أنه إلى جانب ذلك يتمتع المؤلف بالحق الأدبي الذي يخوله السلطة في تعديل مصنفه أو سحبه بشرط ألا يضر بالغير عند ممارسته لذلك الحق.

من هنا نشأت نظرية الازدواج التي سيطرت على الفقه منذ ذلك الوقت ولقد ذهب العديد من المفكرين إلى تأييد هذه النظرية

إذا يتشابه الحق المالي في بعض جوانبه فقط مع الملكية ويختلف عنها في بعضها الآخر ولذلك فهو شبه ملكية فكما القانون يعترف بشبه الانتفاع فيجب أن يعترف بالحق المالي للمؤلف کشبه ملكية.

وفي رأي معظم الباحثين إن نظرية الازدواج هي الأصلح في التكييف القانوني من النظريات السابقة وقد حاءت هذه النظرية نتيجة تطور تاريخي لحق المؤلف حيث ظهر هذا الحق في شكل امتیاز وبذلك يشبه إلى حد كبير براءات الاختراع و إن كانت هنالك فروقات بسبب العنصر الشخصي الذي يوجد في حق المؤلف لأنّ براءة الاختراع لا تأخذ شهادة ميلادها إلا بناء على البراءة ومحلها يختص به الجميع وهي ليست إلا أجراً تحت صورة امتياز للشخص الأول بينما حق المؤلف يكون الإنعام به غير متوقف على استكمال أية شكليات.

نظرية الحقوق الفكرية

قال بهذه النظرية الفقيه البلجيكي (بيكار) حيث ذهب إلى أنّ حق المؤلف ليس حقاً مالياً ولا حقا أدبياً وإنما هو حق جديد غير الحقوق المعروفة في عهد الرومان وأطلق على هذه الحقوق اسم الحقوق الفكرية.

واستبعد أن يكون حق المؤلف شبيهاً أو قريباً من الملكية حيث إن طبيعتها متعارضة فالفرق بين المادة والفكر واضح وانتقد التقسيم الثلاثي الروماني للحقوق بأنها (حقوق شخصية – حقوق عينية – التزامات).

وأكدّ على أنّ الحياة قد تطورت ومع تطورها وجدت حقوق جديدة وضرب على ذلك مثلاً (حق المؤلف وبراءات الاختراع) حيث أشار إلى أنها حقوق ذات خصائص تتعارض مع التقسيم المنوه عنه سابقاً.

وبالتالي فإن الحقوق الفكرية ليس محلها هو المادة التي نفذ عليها المصنف کالمخطوط أو اللوحة ولكن محلها هو الفكرة نفسها.

على أية حال يعود فضل إيجاد قسم جديد لتقسيمات الحقوق ألا وهي الحقوق الفكرية إلى بيكار الذي ركّز على أن حق المؤلف فكرة ذهنية ويرى حق المؤلف المكون من حق مالي وحق أدبي هما امتیازان على الدرجة نفسها من المساواة ويكمّل أحدهما الآخر فهما امتیازان مختلفان وإن كانا متقاربين.

على أية حال يمكن أن نقول أن حق المؤلف ليس كتلة واحدة، وإنما يتكون من حقين هما الحق الأدبي والحق المالي.

ويقوم هذان الحقان على مصدرين هما أن كل عمل يستحق الأجر وكل شخصية يجب أن تحترم ومن هنا يكون للمؤلف حق أدبي وحق مالي ولكل منهما خصائصه الخاصة فالحق الأدبي غير قابل للحجز عليه ولا يقبل التنازل عنه ولا ينتقل إلى الورثة أما الحق المالي فهو قابل للحجز عليه وينتقل إلى الورثة ومن الممكن التصرف فيه.

وبموجب الحق الأدبي للمؤلف يحق للمؤلف سحب مصنفه من التداول وحقه في تعديله وكذلك حق الأبوة الذي يعطي للمؤلف سلطة وضع اسمه على المصنف أو التمثال ، وبقوة الحق المالي يأخذ المؤلف أو الفنان المنافع المالية الناجمة عن استغلال المصنف سواء عن طريق النشر أو الطبع أو التمثيل.

وفي الختام إننا في مقارنتنا للنظريات الآنفة الذكر نجد نظرية الازدواج رغم الانتقادات الموجهة إليها هي المؤهلة لأن تستوعب الطبيعة القانونية لحقوق المؤلف كونها تراعي الجوانب المادية لهذه الحقوق وتنظر بعين الرعاية والاهتمام للجوانب المعنوية وفي مقدمتها الحق الأدبي الذي هو الوجه الثاني من العملة لحقوق المؤلف واحترام أبوته وشخصيته وفكرته أمام الجميع وبعد وفاته بالنسبة للورثة.