in ,

مفهوم التنسيق المالي والنقدي

مفهوم التنسيق المالي والنقدي

يعد التنسيق المالي والنقدي من المصطلحات الاقتصادية الحديثة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية على أثر تنفيذ السياسة الاقتصادية الكينزية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لكنه سرعان ما انهار هذا المصطلح تحت وطأة الضغط النقدي على الولايات المتحدة وقيامها بفصل الدولار عن الذهب في 15/8/1971م الأمر الذي أدى لظهور فوضى نقدية ومالية أدت لظهور الأزمات.

فظهرت أزمة المديونية عام 1982م وظهرت الأزمة المالية الاثنين الأسود عام 1987م والأزمة الآسيوية عام 1997م وآخرها أزمة الرهن العقاري أيلول 2008م.

إن هذه الأزمات المتلاحقة منذ عام 1971م وحتى الوقت الحاضر قد دفعت بالاقتصاديين للمطالبة من جديد بالعودة إلى التنسيق والتكامل بين السياستين المالية والنقدية، وذلك بهدف توجيه جهود الدولة لمعالجة آثار الأزمات، أو تلافي الأزمات قبل حدوثها، أي عندما تؤازر السياسة المالية السياسة النقدية في معالجة نقص السيولة أو زيادة الأسعار أو الركود فإن هذه الإجراءات سوف تخفف من الآثار الضارة التي قد تؤدي إلى الأزمة.

تعريف التنسيق المالي و النقدي

يعرف التنسيق المالي والنقدي على أنه:  انسجام وتكامل الإجراءات المالية والنقدية بهدف تحقيق التوازن والاستقرار بين الأجور والأسعار وقيمة النقود وتلافي حدوث الأزمات وتحقيق الأهداف الاقتصادية العامة للدولة.

إن هذا المفهوم البسيط يشرح ويوضح مدلولات كبيرة، فهو يوضح بأن التنسيق بين المال والنقد سوف يؤدي لاستقرار الأجور والأسعار الأمر الذي ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين.

خصائص التنسيق المالي و النقدي

 يمكن تحديد خصائص التنسيق المالي والنقدي كما يلي:
1 ـ تحقيق الانسجام والتكامل وهذا الأمر يعني أن تقوم السياسة المالية بما تمتلكه من أدوات بمؤازرة السياسة النقدية بحيث تتعاون السياستان معاً لمعالجة أوضاع الأزمة أو صنع الرواج في الاقتصاد، وبالمقابل لا يجوز أن تعارض السياسة المالية إجراءات السياسة النقدية فيؤدي ذلك لفشل السياسة النقدية ومن ثم حدوث الأزمات.

2 ـ الإجراءات المالية والنقدية هي مجموعة التدابير التي تتخذها الدولة في إطار كل سياسة بهدف الوصول إلى الأهداف المحددة واستناداً لذلك تكون الإجراءات النقدية:
ـ رفع أو تخفيض سعر الفائدة.
ـ زيادة حجم التسليف أو تخفيضه.
ـ رفع أو تخفيض سعر الصرف.
ـ زيادة عرض النقد أو تخفيضه.

أما الإجراءات المالية فهي:
ـ زيادة أو تخفيض حجم الإنفاق العام.
ـ زيادة أو تخفيض حجم الضرائب.
ـ تقديم الإعانات.
إن الإجراءات الأولى تؤثر على الثانية وبالعكس لذلك لا داعي للتعارض ويجب التنسيق والتفاعل بين هذه الأدوات بحيث تؤدي من خلال تكاملها لمعالجة حالات الأزمة ومن ثم زيادة معدل النمو الاقتصادي.

3 ـ التوازن والاستقرار بين الأجور والأسعار: تعد سياسة الاستقرار الاقتصادي من أهم السياسات التي تتبعها الدولة المتقدمة لأنها تركز على متغيرين هامين هما: الأجور والأسعار.

فإذا حصل التوازن بين مستوى الأجور والمستوى العام للأسعار أدى ذلك للاستقرار الاقتصادي، أي الاستقرار بين كافة المتغيرات الاقتصادية، ولكي يستقر السعر يجب أن تستقر التكلفة ويكون الأجر نفسه جزءاً من هذه التكلفة وهذا الأمر يرتبط بشكل مباشر باستقرار قيمة النقود.

4 ـ التوازن والاستقرار بين الأجور والأسعار من جهة والنقود من جهة أخرى: تعد النقود بارومتر الاقتصاد فإذا استقرت قيمة النقود استقرت كافة القيم الاقتصادية وحصل التوازن بين جميع المتغيرات الاقتصادية.

إن علاقة النقود قوية بين كل من الأجور والأسعار فعندما تختل قيمة النقود تختل العلاقة بين الأجور والأسعار لذلك تركز جميع السياسات النقدية على استقرار قيمة النقود بالدرجة الأولى ثم على سياسات التسليف والاستثمار وزيادة الإنتاج بالدرجة الثانية.

5 ـ تحقيق الأهداف الاقتصادية العامة للدولة: إن التكامل والانسجام بين السياستين المالية والنقدية يساهم في تحقيق الأهداف المرسومة ضمن خطط الدولة، فإذا كانت سياسة الدولة تركز على زيادة الأجور وتحسين ظروف العمال والفقراء، فإن السياسة المالية تزيد الإنفاق العام، وتقوم السياسة النقدية بزيادة حجم التسليف الأمر الذي يؤدي لتحسين مستوى الدخول أما إذا قامت السياسة المالية بزيادة الإنفاق العام وقامت السياسة النقدية بالمقابل برفع سعر الفائدة فإن هذا الإجراء سوف يبطل مفعول السياسة المالية وتنخفض الدخول بدلاً من أن ترتفع وتفشل الدولة في تحقيق أهدافها العامة، لذلك يؤدي التكامل والانسجام بين الإجراءات المالية والنقدية لتحقيق أكثر الأهداف التي رسمتها الدولة في خطتها العامة.

6 ـ تلافي الأزمات: ركزت المدارس الاقتصادية في أفكارها على الانسجام والتنسيق بين جميع الإجراءات بهدف الوصول إلى النمو الاقتصادي وتحقيق التشغيل الكامل، لكن الوضع الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد انفصال الدولار عن الذهب عام 1971م قد أدى لانفصال الإجراءات المالية عن النقدية وسار الاقتصاد في الدول المتقدمة باتجاه الأرباح المرتفعة (المضاربة) وهذا الأمر يتطلب عدم التنسيق بين الإجراءات المالية والنقدية، لذلك تتالت الأزمات منذ عام 1971م وحتى عام 2008م بشكل مستمر.

أهمية التكامل بين الإجراءات المالية و النقدية

إن التكامل والانسجام بين الإجراءات المالية والنقدية سوف يخفف، بل ويوقف حدوث الأزمات، لأن استقرار قيمة النقد وتحديد حجم التسليف في الاقتصاد استناداً لحجم الناتج (وليس لحاجة المضاربين) والتكامل والانسجام مع تحديد حجم الإنفاق العام والضرائب سوف يوصلنا إلى اقتصاد منسجم ذاتياً يسعى لأهداف مرحلية ويستطيع تحقيقها، أما إذا كانت أهداف الاقتصاد بيد المضاربين، فإن الأزمة تكون الهدف وهذا ما حصل.

لذلك لا بد من العودة للتكامل والانسجام بين جميع الإجراءات الاقتصادية بشكل عام وكل من الإجراءات المالية والنقدية بشكل خاص للوصول إلى اقتصاد بعيد عن الأزمات.

إن مفهوم التكامل والانسجام بين الإجراءات المالية والنقدية يعد مفهوماً حديثاً ينبغي العمل به في الاقتصاديات الراهنة وذلك لوقف حدوث الأزمات من جهة، وزيادة حجم النمو والتطور في الاقتصاد العالمي من جهة ثانية الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العالمي الذي نعيش فيه.