in

نشأة الصحافة وتطورها

بدأت أشكال التواصل الإعلامي مع ظهور المجتمعات الإنسانية ولاسيما الحاجات الاجتماعية في تبادل الأخبار والمعلومات حيث عبّرت عن ظهور الجديد والأساسي في هذه الأشكال المتداولة وفي إطار النظام القبلي لم يكن هناك أي نوع من أنواع الوسائل الإعلامية وإنما فقط الرأي العام وفي هذه المرحلة لم تبرز طرق التأثير الحديثة التي من خلالها يتم تبادل المعلومات فالنشاط الإعلامي لم يتبين بعد ولم يأخذ استقلاليته.

ظواهر ما قبل الصحافة

لقد كان للخطباء أثر كبير في نشر الأخبار الاجتماعية وكان هذا مرتبطاً بظهور الدولة فالنشاط السياسي للخطباء العظام في العصور القديمة مثل ديموستين واليونان يمثل وضوحاً ساطعاً لما نسميه الآن ظواهر ما قبل الصحافة.

فكان هؤلاء يعملون ضمن خطة مبرمجة وموجهة من أجل نشر الأخبار وتقديم المعلومات للجماهير بغية التأثير عليهم فكرياً ونفسياً ومن أجل تكوين آراء وتصورات وطموحات لديهم تدفعهم لأن يقوموا بهذا أو ذاك من الأفعال وإلى جانب الخطباء السياسيين ظهر نشاط واسع له طابعه وخصائصه من قبل الشخصيات الدينية البارزة.

لقد بدا في الدول القديمة الكبرى الشكل الشفهي لتبادل المعلومات ناقصاً لذلك ظهرت كتابات ذات طابع صحفي تحوي أخباراً ملمّة وقد بينت المعلومات عن مصر القديمة في عصر الفراعنة بأنه صدر فيها صحف مثل صحيفة بابيروس وظهر إلى جانبها نشرة معارضة وكانت تكتب الأخبار على لوحات خشبية بالجبس وتعلّق في أماكن بارزة.

وفي اليابان وقبل ظهور الطباعة وجدت صحف تعكس رسوم الآلهة على ألواح من التراب وسادت في إنكلترا ظاهرة المناشير الخطية وقد صدر في روسيا مخطوطة في قصر القيصر وسميت كورنتي ومع تطور النشاط الصحفي ظهرت ضرورات لأخصائيين في مسائل الخدمات الإعلامية وليس مصادفة ما قاله إن المجتمع يولد أخباراً ووظائف عامة والتي لا يمكن بدونها أن يتطور ويعين من أجل هذا أناس يكونون قطاعاً جديداً في تقسيم العمل داخل المجتمع.

وفي أوروبا بشكل خاص في القرن السابع عشر أسس مكتب لجمع الأخبار المتنوعة ونشرها ومراكز جمع الأخبار وكتابتها وكان أهمها في روما وفي فيينا ومع هذا فإنّ التحدث عن وجود صحافة بمعناها الحقيقي غير ممكن.

وتتميز ظواهر ما قبل الصحافة بانتشارها الضيق فالمطبوعات كانت موجهة إلى جمهور ضيق إضافة إلى ذلك لم تستخدم التقنية الصحافية التي تسمح بسرعة بإصدار الصحف والمجلات وفي الحقيقة فإنّ الصحيفة هي نشرة دورية مطبوعة ظهرت بعد أن تم اختراع مطابع الكتب في أوروبة.

ظهور الصحافة

بدأت تتكون المقدمات التقنية للطباعة في أوروبة منذ أعوام الثلاثينات والأربعينات من القرن الخامس عشر وقد اخترع غوتنبرغ المطبعة من أجل إصدار الكتب وفي عام 1510 وجد في باريس أكثر من عشر مطابع وقد طبع في أوروبة التقويمات السنوية ومجموعات إخبارية أخرى وهي بشكل مباشر أسلاف الصحف والمجلات ومنذ أن تم اختراع المطابع مر أكثر من قرن ونصف بدأت التقنية المطبعية تستخدم من أجل نسخ الصحافة الدورية وطبعها.

إنّ التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي حدث في القرن السادس والسابع عشر هو السبب الأساسي لتطور الطباعة فقد تكونت العلاقات الرأسمالية النشيطة وتطورت التجارة العالمية وهذا التطور خلق الحاجة إلى نشر الأخبار التجارية والمعلومات المتنوعة عن الأوضاع الداخلية والخارجية والعلاقات الدولية.

فخروج المطبعة البرجوازية على مسرح التاريخ وبروز مصالحها الاقتصادية ثم ادعاءاتها السياسية رافقه تطور الصحافة فالبرجوازية هي أول من استخدمت تقنية الطباعة من أجل إصدار الصحف ونشرها قاصدة من ورائها الأرباح والنقود فكلمة الجريدة أو جازيت لم تدخل علم الصحافة مصادفة فهي مرتبطة بقطعة عملة فينسكيه اسمها جازيت وقد ظهرت الصحف المطبوعة في بداية القرن السابع عشر في ألمانيا وفي انكلترا وفي فرنسا.

إنّ الصحف الأولى التي صدرت كانت صحفاً تجارية وقد حوت معلومات عن الطرق التجارية والأسعار وسير العمل التجاري وحركة البضائع والحياة الداخلية في البلدان والأخبار التي تخص العالم  وقد عكست هذه الصحف مصالح البرجوازية الغنية التي أثبتت جدارتها في الحياة الاقتصادية لبلدانها وتجاوبت مع مطامحها.

إنّ الثورة البرجوازية الانكليزية في القرن السابع عشر خلقت مطبوعات سياسية تشبه المناشير هي من طراز الهجائيات وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر ظهرت أيضاً مجلات وصحف يومية.

لقد ظهرت الصحافة السياسية قبيل الثورة الفرنسية العظمى عندما احتد النضال من أجل الحقوق السياسية للطليعة البرجوازية وفي وقت الثورة صدرت الصحيفة المشهورة (المدافعون عن الدستور) وصحيفة (الصديق) وصدرت الصحيفة الروسية الأولى بأمر من القيصر بطرس الأول وهي صحيفة فيدامست عام 1702 م.

لقد أصبحت الصحافة في القرن التاسع عشر قطاعاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتركت أثراً كبيراً في حياة المجتمع بكل مؤسساته فالسلطة استطاعت بوساطة وسائل الإعلام الجماهيري أن تؤثر في الطبقات الاجتماعية المختلفة.

وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تم اكتشاف طرق إعادة إنتاج اللقطات التصويرية وماكينات مطبعية لينوتيب وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت اكتشافات جبارة وضعت الأسس التقنية للمذياع والتلفاز الصحفي وأصبح المذياع وسيلة أساسية ومهمة لبث الإعلام الجماهيري في العشرينيات من القرن الماضي والتلفاز في نهاية الأربعينات من القرن نفسه.

إنّ تأسيس الصحافة وتطويرها ارتبط بشكل مباشر بأسماء المناضلين من أجل الاستقلال والحرية والديمقراطية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ومازالت الصحافة حتى اليوم تقوم بواجباتها الوطنية والاجتماعية على أسس المبادئ القائمة في بلدانها وتتطور الآن على قاعدة برنامج التطور والتحديث التقني والتكنولوجي الذي طرحه الواقع العالمي المعاصر.