in

سيرة جبران خليل جبران بقلم ميخائيل نعيمة

السيرة وهي نوع أدبي حديث مشتقة من القصة من حيث العناصر أي الوصف والحوار والحدث والتحليل وهي تختلف عن الرواية التي تستمد وقائعها مما يصوغه الخيال من معطيات الواقع بينما السيرة تستمد وقائعها من معطيات الواقع  نفسها.

وإنّ من أوائل السير كانت سيرة جبران التي كتبها ميخائيل نعيمة بعد وفاة جبران بثلاث سنوات والسيرة الذاتية التي كتبها طه حسين باسم (الأيام ) والتي جمع فيها بين التصوير والتقرير وقد اعتبرت أولى السير الذاتية الفنية في الأدب العربي.

وقد كتبت سير كثيرة مثل (عودة الروح) للكاتب توفيق الحكيم و(سارة) للعقاد و(حياتي) للكاتب أحمد أمين ولكنها لا تصل إلى أن تعد سيراً ذاتية تكتمل فيها الصفات الفنية للسيرة الذاتية ولهذا من أقرب السير إلى مفهوم السيرة الفني كانت سيرة جبران التي كتبها صديقه ميخائيل نعيمة.

حيث ذكر فيها : (فأنا ما أقدمت على تأليف الكتاب لأظهر مقدرة جبران الفنية والأدبية بل اخترت جبران موضوعاً للكتاب لأنه من قليل الأدباء الذين كشفوا في أدبهم عن معنى الحياة والذي توصل إليه جبران في كتابه (النبي) ولولا ذلك لما كلّفت نفسي عناء تأليف الكتاب).

وقد استسقى نعيمة مادة السيرة من عدة مصادر وأهمها من خلال صحبته الطويلة مع جبران والتي تعرّف بها على بدايته وأحوال أسرته وبعض صور طفولته حيث يعود لهذا المصدر ما صوره نعيمة عن أحوال جبران مما نقله من الأحاديث والأخبار وماحكاه عن ساعات احتضاره حيث بدا هذا المصدر خصباً في السيرة وقد اعتبروه الكتّاب مجموعة حية من ذكريات جبران.

كما جمع نعيمة بعض مواد السيرة ممن عرفوا جبران ومن كتب جبران نفسها حيث حركت النصوص التي استقاها نعيمة من هذه الكتب خياله بتصور الجو الذي كتبت فيه وصور المرحلة التي قضاها جبران في باريس وقد حرص على أن يصل بين حياة جبران ونتاجه.

فبهذه النتاج تكتمل تجاربهم وبهذه التجارب صاروا أهلاً لأن تكتب حياتهم حيث كان نعيمة لا يدع فرصة إلا ويصل فيها بين التجربة وصورتها متأثراً بكتب جبران التي قرأها ونقل بعض منها في سيرته.

كما وأنّ تجربة نعيمة الروحية والتي تماثل تجربة جبران كانت مرجع ما بدا في السيرة من تذوق رائع لها كما واعتمد نعيمة في كتابة سيرة جبران على زيارته لقرية جبران (بشرّي) والتي مكث فيها ما يقارب العامين حيث التقى هناك بجيرانه وأقاربه ومن يعرفه ويعرف أباه وأمه وأخاه.

والذين حدثوه عن طفولته وأسرته وقد حاول نعيمة أن يحيي الوقائع ويشخّصها وبهذه الصفة أخذت السيرة الفنية مكانها في الأدب الحديث وقد اقتصر عمل الخيال في بعض الوقائع على إيقاظها وهي بعد حية لم تفقد الروح.

ومثالها واقعة الاحتضار وهي آخر ما سرد من وقائع السيرة أما الوقائع التي لم يحضرها نعيمة فقد جمع مادتها من مصادره وبث فيها خياله الذي نفخ فيها الروح وهذا ما حصل في صورة الولادة والتي كانت نواتها ما يعرف من أوصاف أبي جبران.

وتاريخ ولادته واسم أمه وعند العودة لوقائع السيرة التي تخيلها نعيمة ليحمّلها بعض الحقائق الأساسية في حياة جبران

لن نجد واقعة تضطرب فيها ملامح جبران الثابتة فحياته في باريس لم يشهدها نعيمة ولكن شهدها في نيويورك فيبقى أن يصل بينها حتى تتلاحم وتنهض بالحقائق الكبيرة التي بقيت نتائجها وإن ضاعت مقدماتها.

 وبالتالي فإنّ حقائق الحياة في السيرة الفنية لا يمكن أن تنجو من برودة التقرير إلا بالتشخيص والإحياء ح